الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
26
مناهل العرفان في علوم القرآن
من مفردات القرآن التي فيها غرابة وإبهام ، ومن يكتب في مجاز القرآن يقتفى أثر كل لفظ فيه مجاز أيّا كان نوعه في القرآن ، ومن يكتب في أمثال القرآن يتحدّث عن كل مثل ضربه اللّه في القرآن ، وهكذا سائر أنواع علوم القرآن ولا ريب أن تلك المجهودات الجبارة لا يتهيّأ لإنسان أن يحيط بها ولو أفنى عمره ، واستنفد وسعه ! . لهذا اشرأبّت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علما جديدا يكون كالفهرس لها ، والدليل عليها ، والمتحدّث عنها . فكان هذا العلم هو ما نسميه ( علوم القرآن ) بالمعنى المدوّن . ولا نعلم أن أحدا قبل المائة الرابعة للهجرة ألّف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدوّن ، لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف . وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرّزين من العلماء ، على الرغم من أنهم لم يدوّنوها في كتاب ، ولم يفردوها باسم . أجل : كانت علوم القرآن مجموعة في صدور المبرّزين من العلماء . فنحن نقرأ في تاريخ الشافعي رضى اللّه عنه أنه في محنته التي اتّهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن ؛ وسيق بسبب هذه التهمة إلى الرشيد مكبّلا بالحديد في بغداد ؛ سأله الرشيد حين لمح علمه وفضله ، فقال : كيف علمك يا شافعي بكتاب اللّه عز وجل ؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به . فقال الشافعي : عن أي كتاب من كتب اللّه تسألني يا أمير المؤمنين ؟ فإن اللّه تعالى قد أنزل كتبا كثيرة . قال الرشيد : قد أحسنت ، لكن إنما سألت عن كتاب اللّه المنزل على ابن عمى محمد صلّى اللّه عليه وسلم . فقال الشافعي : إن علوم القرآن كثيرة ؛ فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه ، أو عن تقديمه وتأخيره ، أو عن ناسخه ومنسوخه ، أو عن . . . أو عن . . ؟ ؟ وصار يسرد عليه من علوم القرآن ، ويجيب على كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين . فأنت ترى من جواب الشافعي هذا ، ومن فلجه بالصواب في هذا الموقف الرهيب :